هل تعتبر نفسك مبدعاَ ؟

شاركنا وابرز عملك هنا !

نص الفيلم الوثائقي

مسيرة النقش

     

الكتب

الدراسات

قصائد

قنوات

البرامج التلفزيونية

الاستثمارات

البوم الصور

النشرات الصحفية

معلومات الاتصال

   
 

بين فكي الصحراء المدهشة، والامواج الصارخة، وعلى شواطىء خليج اللؤلؤ المتألقة ... كانوا هنا..

يفترشون الأرض، ويجلسون في مجموعتين متقابلتين، إحداهما للبنين والأخرى للبنات، ويتربع وسطهم من يقوم بتلقينهم الدروس .. إنه "المطوع "، الرجل الصالح الذي يوظف نفسه لخدمة الناس. وهو "المُـلاَّ" عند بعض القوم، و"الشيخ" عند البعض الآخر، و"الفقيه" عند فريق ثالث.

 

هنا وكما يقول التاريخ كان المطوع هو الرجل الصالح الذي أخذ على عاتقه عبئاً من الحركة التعليمية، وخصص جزءاً من بيته للتعليم، وقام بحركة إرشادية، تمثلت في الدعوة إلى الاهتمام بالأبناء وتربيتهم تربية صالحة، لأنهم أساس تقدم المجتمعات. وكان المطوع يؤدي وظيفة القضاء أيضاً، والفصل بين الخصوم، ورد المظالم، ومعاقبة المجرمين، واللصوص، وتطبيق أحكام الشرع.


كان المطوعة يتولون تربية الولد وتهذيبه أو تأديبه ومن ثم تعليمه، وعند حضور الأولاد إلى المطوع يحمل كل واحد منهم غرشة بها ماء للشرب، ولها علامات مميزة عن غيرها، ويدفن كل واحد غرشته في الطين، حتى يظل الماء بارداً، وأمام كل ولد كانت توضع "المرفع" التي كانت تستعمل في حمل المصحف.

 

كانوا يرددون اسماء كثيرة: الدخــلة : بيزتين أو روبية وهي رسم الدخول للطفل، والخميسية :وهي مبلغ بسيط ، لا يتجاوز ما يعادل ربع الدرهم، وتدفع للمطوع كل خميس، و العيدية : وتقدم للمطوع في الأعياد كعيد الفطر وعيد الأضحى وقد تكون في صورة عينية.. وكذلك النافلـة و الفطـرة و الأكلـة و حق الليلة والختمة أو التحميدة  حين يقام الاحتفال بمناسبة ختم الأطفال القرآن الكريم، فيلبسون الثياب الزاهية، وينشدون القصائد الدينية، ويقدم الأهالي الهدايا للأطفال المحتفى بهم وللمطوع .

 

هكذا كانوا ينشدون العلم هنا منذ اواسط القرن التاسع عشر وحتى بدايات  القرن العشرين.. وقبل أن تغرب شمس عهد الكتاتيب والمطاوعة كانت المدارس القليلة والفريدة قد فتحت أبوابها على نطاق ضيق، في الجزيرة الرملية القاحلة التي تحيط بها مياه الخليج من كل الجوانب ومثلها في مناطق ليست ببعيدة لها ذات الامكانيات ولم يكن يوجد في أي منها سوى مجموعة من البيوت المتناثرة التي تفتقر الى ابسط الخدمات من طرق او مياه او كهرباء او مستشفيات بدأ صوت الجبر والحساب و الفقه واللغة العربية والعلوم الدينية تصدح الى جانب دروس القرآن الكريم.

 

وهنا .. وفي تلك الاثناء كان لرؤيا المغفور له الشيخ راشد بن سعيد، حاكم دبي، إسهامات واضحة في وضع أسس النظام التعليمي، ولقد تلقى المغفور له الشيخ راشد بن سعيد تعليمه في المدرسة الأحمدية التي تعد أول مدرسة نظامية في البلاد. فكرّس حياته لتطوير دبي والارتقاء بمواطنيها كما كان يؤمن بقيمة التعليم، فانعكس ذلك على باقي المدن والقرى ، فظهرت المدارس وبدأ نشاط تعليمي حيث التجمعات السكانية والعطش المتزايد للتعليم والتفوق.

 

.. وفي  السادس من شهر أغسطس عام  1966  امتلأت قلوب الاماراتيين بالفرحة لتولي الشيخ زايد مقاليد الحكم في امارة ابوظبي .. وهو القائد الذي حظي منذ تعيينه حاكما لمدينة العين والمنطقة الشرقية في العام 1946  وحتى انتخابه رئيسا للمجلس الاعلى لحكام الامارات بعد اعلان اتحاد دولة الامارات العربية المتحدة في الثاني من ديسمبر 1971 بمحبة الامة واجماع ولائها واعتزازها بقيادته الحكيمة وجهوده المخلصة وعطائه السخي وتفانيه في خدمة الوطن والمواطن..

 

وفي غمرة انشغاله بالاصلاحات السياسية والاقتصادية الكبيرة، اطلق القائد العنان لمسيرة التعليم، ووجه لها جلّ اهتمامه وقال:

                                "إن رصيد أي أمة متقدمة هو أبناؤها المتعلمون وأن تقدم

                               الشعوب والأمم إنما يقاس بمستوى التعليم وانتشاره."

ومن هذه الرؤى .. وغيرها الكثير الكثير... انطلقت بارجة التعليم تمخر عبر عباب اتحاده منذ العام 1971 ، الذي لم تكن الخدمات التعليمية تصل فيه لكثير من القرى والحواضر، ولم يكن عدد الطلاب في الدولة يتجاوز الـ 28 ألف طالب، وكان على من يرغب في إتمام تعليمه بعد الدراسة الثانوية السفر إلى خارج البلاد ، إذ كان الطلاب الإماراتيون يذهبون إلى إحدى الدول الأجنبية أو العربية للحصول على الشهادات العليا، وقد وفرت لهم الدولة دعماً كاملاً في مسعاهم هذا، وذلك بالتكفل  بتمويل دراستهم في الخارج. في الوقت نفسه كان القائد يطمح إلى إيجاد بنية تحتية شاملة لتوفير التعليم بكل مستوياته في دولة الإمارات.


وبدأ العمل على قدم وساق  في تطوير التعليم وتوفير جميع احتياجاته، ليشمل الإناث والذكور الذين يتلقون تعليمهم في المدارس الحكومية مجاناً، ليظهر فيما بعد التعليم الخاص متمماً لجهود القطاع العام، وموفراً التعليم لأكثر من 40% من الطلاب الذين يدرسون في دولة الإمارات. كما يقوم التعليم الخاص بتعليم اللغات الأجنبية الإضافية لكثير من المواطنين وأنباء الجاليات ، بالإضافة إلى اعتماده مناهج متنوعة لبعض المواد، مثل العلوم والرياضيات وغيرهما.

 

وظل التعليم الهاجس الأكبر للقائد الوالد، فقامت بتبني خطة مستقبلية لتطوير التعليم في السنوات العشرين المقبلة، واضعة نصب أعينها تحقيق أهدافها لتصل بالتعليم إلى مستويات معيارية تتماشى مع مخرجات التكنولوجيا والعلوم. وتركز هذه الخطة على تعليم تكنولوجيا المعلومات ومحو الأمية في هذا المجال. وللحفاظ على قيم المجتمع ومبادئه، ولضمان تعزيزها لدى الناشئة، تعمل هذه الخطة على توطين التعليم، لتصل نسبة المواطنين العاملين في سلك التربية والتعليم إلى 90% بحلول العام 2020.

 

من البديهي أن يهتم القائد الكبير بالعلم في الوقت الذي يسعى إلى بناء دولة حضارية كاملة.. دولة يحترم فيها الإنسان، ويعقد الأمل عليه في تحمل مسؤولية هذا البناء: وهو الذي قال :

                    لقد آن لنا أن نستعيد عزتنا ومجدنا، ولن يكون ذلك بالمال وحده، ما لم يقترن المال

                   بعلم يخطط له. وعقول مستنيرة ترشده، فإن مصير المال إلى الضياع وإن أكبر استثمار

                   للمال هو استثماره في خلق أجيال من المتعلمين والمثقفين.


اليوم تنتشر المدارس في كل قرية، وكل طالب وطالبة ينال حظه من التعليم والرعاية التربوية من دون تمييز. كما اصبح بمقدور الطلاب -منذ بضع سنوات- إكمال دراستهم في بلادهم ،حيث افتتحت جامعة الإمارات العام 1977 ، وتخرج منها منذ ذلك الوقت ما يزيد على 20 ألف طالب. ولم تكن جامعة الإمارات المؤسسة الحكومية الوحيدة التي تعنى بالتعليم العالي، إذ تم افتتاح كليات التقنية العليا للطلاب والطالبات، التي أصبحت موجودة في معظم إمارات الدولة، لتعمل على تأهيل الخريجين تقنياً، للعمل في مجالات الهندسة والإدارة والتسويق وغيرها من التخصصات.


وجاءت جامعة زايد، التي تم افتتاحها في العام 1998  ، لتلبي حاجة الطالبات وتقوم بتدريسهن وفق أحدث الأساليب. كما أن هنالك مؤسسات تعليمية تركز على الجانب المهني والتقني، منها على سبيل المثال معهد الإمارات للعلوم المصرفية، مركز التدريب التابع لشركة نفط أبوظبي الوطنية.



ولتشجيع البحث العلمي والتحصيل الأكاديمي، وبتوجيهات القائد ..افتتح الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان، وزير التعليم العالي والبحث العلمي مركز التميز للأبحاث التطبيقية والتدريب في عام 1999، ليوفر برامج تعليمية لجميع الجنسيات، كما منح الضباط- أيضا- الفرصة لتحصيل المؤهلات الأكاديمية، من خلال التحاقهم بكلية زايد العسكرية.


ولقد رافق التعليم اهتمام خاص بأنشطة شبابية  كثيرة، تتضمن كل الفعاليات الموازية للتعليم المنهجي، إذ تم اعتماد هيئات خاصة تتولى إدارة النوادي الثقافية والفنون ونوادي العلوم والكشافة، وتحرص على تنظيم الفعاليات الاجتماعية وإقامة المخيمات، التي تدرس القرآن الكريم وتهتم بتنمية الحس الاجتماعي والثقافي لدى الشباب.


 وكان للكبار نصيبهم،  حيث اهتمت الدولة بتثقيفهم وإعادة تأهيلهم، لكي يستطيعوا مواكبة التطور ومواجهة التحديات المحيطة بهم. فلقد قامت الدولة باعتماد برنامج شامل لمحو الامية بالتعاون مع جمعية اتحاد المرأة. وعموماً، يمكن القول إن الجهود مازالت مستمرة ما دام هناك إصرار على النجاح، ويمكن رصد ثمار التجربة بمقارنة بسيطة، إذ نجد أن  نسبة المتعلمين من الرجال في عام 1975 وصلت إلى 54.2% مقابل 30.3% للنساء، لكنها تغيرت في عام 1998، وأصبحت 73.4% للرجال و 77.1% للنساء.


كما أنشئت دائرة خاصة، تابعة لوزارة التربية والتعليم تهتم بتطوير تعليم الأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة وتأهيلهم لاحتلال مواقع إيجابية منتجة في المجتمع. وبدأت هذه الدائرة بتحقيق إنجازات رائعة، منها مثلاً: مزرعة تدار بالكامل من قبل مجموعة من المعاقين جسدياً وعقلياً، ويعد هذا المشروع؛ مركز زايد الزراعي للمعاقين، من أنجح المشاريع حالياً، وقد حظي هذا المشروع باهتمام وثناء دوليين.


 ومنذ الخطوة الأولى في مسيرة تطوير البلاد، أولت الإمارات العربية المتحدة اهتماماً كبيراً للشباب ولدورهم في صناعة المستقبل، ومازالت مستمرة في بذل أقصى ما بوسعها لتطوير التعليم، ولتوفير بنية تحتية شاملة، للاستفادة من مواطنيها في التنمية الاقتصادية، وتعزيز مكانة البلاد الحضارية.

 

هنا وعلى هذه الشواطىء الرملية المتلألئة .. وفي ظل عباءة القائد الدافئة .. صار الانسان هو الثروة .. وطريقه يتوهج بمشاعل النور...

 

حقوق الطبع محفوظ 2007 اكتيـــفز ميــديا (Actives Media)